السيد محمد تقي المدرسي
169
من هدى القرآن
ذلة ، ويحتمل أن يكون المعنى أي تحملهم الذلة ما لا يطيقون من الأذى المعنوي ، وتتعبهم كما تتعب الكلاب الصيد ، يقال : أرهقه أي حمله على ما لا يطيق . وحكمة الله في منع المجرمين عن السجود بعد أمرهم به فضيحتهم في المحشر حيث يمتاز بامتحان السجود المسلم عن المجرم ، قال قتادة ذُكِرَ لنا أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول : يُؤْذَنُ لِلمُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ في السُّجُودِ فَيَسْجُدُ المُؤْمِنُونَ ، وَبَيْنَ كُلِّ مُؤْمِنٍ مُنَافِقٍ فَيَتَعَسَّرُ ظَهْرُ المُنَافِقُ عَنْ السُّجُودِ ] « 1 » ، وبذلك يعرف الناس حقيقته ، حيث إن الآخرة في حقيقتها انعكاس لأعمال الإنسان في الدنيا ، وبالتالي فإن التمايز في الجزاء هناك هو صورة للتمايز في الأعمال والصفات هنا في الدنيا ، وهذا يعمق المسؤولية في النفوس ، ويدفعها باتجاه التسليم لربها واستغلال فرصة الدنيا لمستقبل الآخرة . « وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ » معنويًّا وماديًّا بحيث لم يكن عندهم عذر يبرر عدم تسليمهم لدعوة الله سوى اتخاذهم الهوى إلها من دونه عز وجل ، ولعلنا نستوحي من الآيتين ( 42 - 43 ) فكرة هامة تتصل بسلوك الإنسان في الدنيا ، وهي : أنه حينما لا يستغل نعم الله عليه كالصحة والغنى فإنها قد تسلب منه فيفوته الانتفاع بها ، أو يسلبه الله توفيق الطاعة بسبب تماديه في المعصية والجريمة حتى يصل به الأمر أنه قد يفكر في التوبة والاستجابة لدعوة ربه ولكنه لا يوفق لذلك لأنه قد طُبِعَ على قلبه . [ 44 - 45 ] ولأن المترفين يعتبرون تتالي النعم عليهم دليلا على رضاه تعالى عنهم ، فيتمادون في التكذيب بالرسالة ومحاربة الرسول اعتمادا على ذلك ، جاءت الآيات تؤكد أن الحقيقة عكس ذلك تماما لأن الله يكيد لهم عبر خطة حكيمة ، وأي كيد أعظم من ذلك الذي يحسبه الإنسان خير وهو شر وبيل ، وينطوي على حرب مباشرة بين الخالق العظيم الجبار شديد العقاب وبين المخلوق الحقير الضعيف المسكين يمشي إليها برجله ويقع في فخاخها بغتة ؟ ! « فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ » يعني الرسالة التي هي حديث الله إلى الإنسان ، ومن الرسالة حديث الآخرة والعذاب ، وما أخوف هذه الآية للمكذبين أن يبارزهم رب العزة مباشرة ، وما أسوأ مصير من لا تبقى بينه وبين ربه رحمة ! وما أرجى هذه الآية في الوقت نفسه للرساليين الذين يواجهون تحديات المترفين في مسيرتهم الجهادية ، فإنها تثلج صدورهم وتزرع فيها الاطمئنان والسكينة بأنهم منتصرون ومحميون لأن الله يدافع عنهم ، وأن الله سيدمر المكذبين بدعوتهم الصادقة والمعارضين لها ، إن خطة الحرب الإلهية ضدهم تمر خلال كيد متين ( قوي لا يستطيع أحد تحديه والانتصار عليه ، ومحكم لا يجد الطرف الآخر ثغرة ينفذ فيها حينما يواجهه ) بحيث يدخل هو بوصفه عنصرًا فعالًا ضد نفسه دون أن يعلم ومن حيث لا يتوقع . « سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ » في اللغة : تدرج إلى كذا تقدم إليه شيئا فشيئا ، واستدرجه صار به من درجة
--> ( 1 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 255 ، جامع البيان للطبري : ج 29 ، ص 53 .